القاضي عبد الجبار الهمذاني
73
شرح الأصول الخمسة
لم قلتم إنما احتاجت إلينا لحدوثها ، حتى يمكنكم أن تقيسوا الأجسام عليها بعلة الحدوث ؟ قيل له : إنما نعني بالاحتياج أن لحالة من أحوالنا فيه تأثير ، والذي يدل على ذلك ، هو أنها تقع بحسب قصودنا ودواعينا وتنتفي بحسب كراهتنا وصوارفنا مع سلامة الأحوال محققا وإما مقدرا ، فلو لا أنها محتاجة إلينا متعلقة بنا وإلا كان لا يجب فيها هذه القضية ، كما في تصرف الغير ، وكما في اللون . وأما الذي يدل على أنها إنما احتاجت إلينا لحدوثها ، فهو أن حدوثها هو الذي يقف على قصدنا ودواعينا نفيا وإثباتا . وبعد ، فإنه لا يخلو ، إما أن تكون محتاجة لاستمرار وجودها ، أو لاستمرار عدمها ، أو لتجدد وجودها . لا يجوز أن تكون محتاجة إلينا لاستمرار عدمها لأنها قد كانت مستمرة العدم ولم تكن . ولا أن تكون محتاجة إلينا لاستمرار وجودها لأنها تبقى مستمرة الوجود وإن خرجنا عن كوننا أحياء فضلا عن كوننا قادرين . فلم يبق إلا أن تكون محتاجة إلينا لتجدد وجودها وهو الحدوث ، فصح القياس . فإن قيل : كيف يصح قياس الجسم على العرض قلنا : إذا اشتركا في علة الحكم لم يمتنع أن يكون حكم أحدهما حكم الآخر ، وقد بينا أن الأجسام قد شاركت تصرفاتنا في علة الاحتياج إلى محدث وهو الحدوث ، فلم يمتنع قياس أحدهما على الآخر . لم يكون فاعلها هو اللّه فأما الثاني ، وهو الكلام في أن فاعلها ليس إلا أن اللّه تعالى فلا يخلو ، إما أن تكون قد أحدثت نفسها ، أو أحدثها غيرها . لا يجوز أن تكون قد أحدثت نفسها لأن من حق القادر على الشيء أن يكون متقدما على فعله ، فلو كان الجسم هو الذي أحدث نفسه لزم أن يكون قادرا وهو